على أطلال فلسطين يستأنفون المفاوضات!
لا أدري حتى الآن السبب الذي دعا وزراء خارجية الدول العربية إلى اتخاذ قرار استئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية ولكن بصورة غير مباشرة عبر الوسيط الأمريكي.
فما الفرق بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة وقد سحقت الإرادة الجماعية العربية ولم يعُدْ لدى العرب القدرة على الرفض أو حتى المساومة والضغط؟! بل حتى مهارة التفاوض واستخدام أبجدياته باتت معدومة... فهل ثمة فرق ذو معنى بين التفاوض المباشر وغير المباشر؟؟!
وكان مجلس وزراء الخارجية لدول الجامعة العربية قد اجتمع في القاهرة لاتخاذ قراره باستئناف المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهو القرار الذي وصفه الأمين العام للجامعة عمرو موسى بأنه اتُّخِذ بناءً على إجماع الدول العربية، مما أدى إلى استياء الجانب السوري على لسان وزير خارجيته وليد المعلم، والذي اضطرّ إلى مقاطعة الأمين العام، نافيًا وجود إجماع عربي.
القرار لم يأت بجديد
بدا واضحًا في صيغة البيان الختامي الذي ألقاه الأمين العام للجامعة العربية أن الدول العربية أرادت غسل يدِها من القضية الفلسطينية، حيث لم يأتِ البيان بجديد ولم يُشِر إلى مجموعة من الاستراتيجيات البديلة حال فشلت المفاوضات غير المباشرة، بل جاءت عبارات البيان محفوظة عن ظهر قلب من كثرة ترديدها بحيث يمكن لأي صحفي صياغتها دون الانتظار إلى المؤتمر الصحفي!
وجاءت النقاط التي عرضها الأمين العام للجامعة العربية وكأنها تتحدث عن صراع تفجّر للتوّ، لا أنه مستمرّ عبر عقود ممتدة واستخدمت فيه كل الوسائل الدبلوماسية من ذهاب للجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى هرولة إلى مجلس الأمن، مرورًا بالعشرات من قرارات الفيتو التي استخدمتها أمريكا لمنع إدانة إسرائيل.
إضافةً إلى طرق أبواب الاتحاد الأوروبي بهيئاته الدبلوماسية والحقوقية، ناهيك عن التوثيق للمجازر الصهيونية في حقّ الآمنين في غزة والضفة، وصولًا إلى استصدار أحكام من محاكم أوروبية كبلجيكا وبريطانيا لتوقيف مجرمي الحرب في إسرائيل، والتي كانت سببًا في تغيير قوانين تلك الدول بحيث لا يمكن ملاحقة أي من قادة الكيان الصهيوني خارج إسرائيل!!
بيان الأمين العام أكد ضمن عدة نقاط أنه "رغم عدم الاقتناع بجديه الجانب الإسرائيلي في تحقيق السلام ترى اللجنة إعطاء الفرصة لمباحثات غيرِ مباشِرة كمحاولة أخيرة وتسهيلًا للدور الأمريكي في ضوء تأكيدات الرئيس الفلسطيني وفقًا للآلية التالية:
ألا تكون المباحثات مفتوحة النهاية وبمدى زمني أربعة أشهر، وألا تنتقل المباحثاتُ غير المباشرة إلى مفاوضات مباشرة انتقالًا تلقائيًّا، "وهو اعتراف صريح من الجامعة العربية أن إسرائيل غير جادة في تحقيق السلام، وهذه القناعة التي عبر عنها البيان تولدت عبر ممارسات متراكمة طيلة السنوات الماضية.
وفي حال عدم توصل المفاوضات إلى شيء ذي معنى يؤكد البيان أنه "سيتمُّ الدعوة إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن لإعادة عرض النزاع العربي الإسرائيلي" وتطالب الولايات المتحدة بعدم استخدام الفيتو ضد هذا القرار "وهي إشارة تطمينية للجانب الإسرائيلي حتى لا يظن أن العرب قد يذهبون كل مذهب حال فشل المفاوضات، بل هو الطريق المحفوظ منذ سنوات طويلة لا تتوه فيه الأقدام!!
الفصائل الفلسطينية ترفض المفاوضات
وعلى صعيد الفصائل الفلسطينية طالبت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالاستقالة واتهمته ببيع "الوهم" للفلسطينيين، من خلال التحرُّك لاستئناف محادثات السلام غير المباشرة مع إسرائيل.
وقالت حركة حماس: "إن سعي رئاسة السلطة لأخذ غطاء عربي يبرِّر موقفَها بالذهاب للمفاوضات في ظلّ تواصل الاستيطان، يُعدّ رضوخًا جديدًا للشروط الأمريكية التي ربطت استمرار المساعدات للسلطة باستئناف المفاوضات".
وصرّح عزت الرشق عضو المكتب السياسي لحركة حماس لوكالة أنباء رويترز قائلًا: إن عباس يفتقر إلى تفويض وطني للموافقة على أربعة أشهر من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل برعاية واشنطن، رغم موافقة الجامعة العربية على هذه الخطوة.
ومن جهته، قال عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي في ختام مسيرة جماهيرية ببلدة جباليا، وفقًا للجزيرة: إن قرار السلطة استئناف المفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال لن يأتي بجديد، ولن يسهم في تحرير المسجد الأقصى.
وأدان الهندي ممارسات أجهزة أمن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وتعاملها مع المقاومة بطريقة تخدم "العدو الصهيوني فقط"، محذرًا من "استمرار التنسيق الأمني المخزي بين سلطة رام الله وإسرائيل".
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فقد رفضت "استئناف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الاحتلال، والذي أثبت للجميع أنه غيرُ معنيٍّ إلا بالعدوان وتكريس الاحتلال ومصادرة الأراضي ومواصلة الاستيطان وتهويد القدس، والإمعان في عمليات القتل والاعتقال في الضفة، ومضاعفته لجريمة الحصار على قطاع غزة".
وقالت في بيان لها: "إن العودة لأية مفاوضات الآن في ظلّ الانتهاكات المنهجية والمنظمة واليومية والحصار والتهويد للمدينة المقدسة والتنكيل بالأرض والإنسان وغياب الشرعية الدولية "إطارًا ومرجعية وقرارات"، يمثِّل خروجًا سافرًا عن قرارات الإجماع الوطني الفلسطيني وخدمة للاحتلال وجرائمِه ومخططاتِه التي تلقى الدعم والحماية من الإدارة الأمريكية".
تهويد الحرم الإبراهيمي
إلى غير ذلك فقد أعطى الجانب الإسرائيلي ردّه على العرض العربي بعودة المفاوضات باتخاذ المزيد من الإجراءات التي من شأنها نسف كل الجهود الرامية إلى إقرار السلام بين الجانبين.
فقد أقرّت الحكومة الإسرائيلية في جلستها الأسبوعية اليوم الأحد، ضمّ الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل وقبر راحيل في بيت لحم إلى قائمة المواقع الأثرية التراثية التي خصّصت لها 400 مليون شيكل (أكثر من مائة مليون دولار) بهدف صيانتها وترميمها.
ويهدف الجانب الإسرائيلي من وراء خطة تهويد الحرم الإبراهيمي إلى تحقيق العديد من المكاسب منها:
- استكمال خطته الرامية إلى طمس الهوية العربية والإسلامية في فلسطين واستبدال الهوية اليهودية بالهوية الإسلامية استعدادًا لمرحلة ما يسمى مفاوضات الحل النهائي.
- جسّ نبض العالم الإسلامي وقياس ردّة فعله استعدادًا لقيامه بالحلقة الأخيرة في مسلسله الرامي إلى تهويد المسجد الأقصى، خاصةً مع تصريحات نتنياهو بأن الحرم الإبراهيمي لن يكون الأخير، بل هو ضمن قائمة معدّة سلفًا لمزيد من المواقع الأثرية الإسلامية والتي يُراد تهويدها.
- استكمال اغتيال الشعب الفلسطيني باغتيال ثقافتِه وتراثِه، بعد أن قطع الجانب الإسرائيلي خطواتٍ هامةً على طريق تصفية قياداته، وكان آخرهم محمود المبحوح القيادي في حركة حماس في دبي.
وعلى إثر القرارات الإسرائيلية اندلعت المواجهاتُ بين الشبَّان الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية، فقد شهدت مدينة الخليل مواجهات بين الطرفين قام فيها الشبان الفلسطينيون بإلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين، وأشعلوا إطارات السيارات، كما شهدت المدينة إضرابًا عامًّا شلّ مرافق الحياة فيها.
وقالت الإذاعة الإسرائيلية: إن جنديًّا أُصيب بجروح طفيفة في إحدى يديه من جراء تعرضه للرشق بالحجارة خلال المواجهات.
وفي قطاع غزة دعا إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني إلى القيام بانتفاضة ثالثة ردًّا على تهويد الحرم الإبراهيمي والتحرّش الإسرائيلي بالمسجد الأقصى.
ونظّمت حركة حماس مسيرةً حاشدة للتنديد بالإجراءات الإسرائيلية، وعلى حسب ما أوردته "الجزيرة" فقد دعا النائب والقيادي في الحركة مشير المصري الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لثورة على مَن سماهم المتآمرين على المقدسات الإسلامية، مطالبًا السلطة الفلسطينية وحركة فتح بعدم العودة للمفاوضات "العبثية" مع إسرائيل.
واعتبر المصري أن ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات وتعدِّيات بحقّ المقدسات الإسلامية "لعب بالنار سوف يحرق قادتها ودولتها المزعومة"، محذِّرًا من أن ما يجري في القدس سيفجّر المنطقة ويقلبها رأسًا على عقب.
هذا هو الوضع الراهن الذي دعا فيه وزراء خارجية الدول العربية باستئناف المفاوضات غير المباشرة.
فلم يبقَ من فلسطين سوى أطلال شاخصة تتآكل يومًا بعد الآخر، ومقدسات شاهدة على ارتباط فلسطين بعمقها العربي والإسلامي يأفُل نجمها هي الأخرى بإعادة تهويدها.
وهل حقًّا ما صرَّحَ به نتنياهو بعد ضمِّه للحرم الإبراهيمي بأنه لم يتصلْ به أيٌّ من زعماء العرب ليعلنَ رفضَه للقرار الإسرائيلي؟!
سمير العركي
..
del.icio.us
Digg
Facebook
Google
Myspace
WindowsLive Fav.
YahooMyWeb
أرسل التعليق