قصة لم تكتمل " أشجان "
نشأت في حي شعبي وفي كنف أسره محدودة الحال ضعيفة الإمكانيات ، والدي موظف لا يملك سوي مرتبه الذي ينتهي قبل نهاية الشهر بأيام ، ويكمل المتبقي منه بالسلف والدين مشهور بصفة البخل الشديد المسيطرة على كافة تصرفاته ومعاملاته، وأم مدبره ضعيفة البنية لم تشتكي رغم شظف العيش وخدمة ست أولاد أكبرهم العبد لله .
لا أتذكر من طفولتي سوي حرماني من ما هو متوفر لأولاد الجيران من ملبس جديد وطعام شهي وحلوي ، وفاكهة والتي لم تكن تدخل منزلنا سوي أول يوم في الشهر فقط أو مع أحد الأقارب ميسوري الحال في زيارته لمنزلنا المتواضع الذي يتكون من ثلاثة غرف احدها للوالد والأخرى لثلاثة بنات والثالثة لأربعه من البنين .
لا أتذكر من الجيران إلا عم أحمد الحلاق الذي كان يدعي المعرفة في كل شيء ، بداية من السياسة مرورا بالفن حتى الطب لم يسلم من معرفته بأسراره وخباياه بدعوي أنه عمل ممرضا لدكتور كبير ومشهور ، لكنه تركه لأن هذه المهنة لم تدخل مزاجه ، ولم يكون الحلاق هذا يتكلم إلا ويجمل حديثه ببهارات الكذب والتي تكون في الغالب حامية على أذان المستمعين ، وملوحا في السماء بكلتا يديه كأن يؤدي دورا مسرحيا ، ويدعي حينما يغلق المحل بأن الوزير فلان طلبه ليحلق له شعره والفنان علان أصر على استدعائه ليحلق له ذقنه وهكذا ، إلا أنه قال لي ذات مره تعالي لتقرأ لي هذا الخطاب وعلمت بذلك أنه لا يفك الخط بالرغم من أنه دائم النظر في الجريدة وكأنه يتصفحها بل ويخبر من يجلسون حوله بأنه قرأ خبر عن تعديل وزاري وشيك أو انضمام لاعب كرة إلى أحد فرق القمة أو حادث مروع، وبعد أن قرأت له الخطاب قال لي سيكون لك شأن عظيم فأنت تجيد القراءة أفضل من الشيخ مصطفي إمام الزاوية المقابلة لدكانه ، وتعجبت من هذه المقولة بالرغم من سعيي الحثيث نحوها ورغبتي الملحة لتحقيقها ذات يوم .
وحينما كنت اختلي بنفسي وبالرغم من صغر سني لم أجد أمامي في وضعي المتردي ومستقبلي المظلم سوي الصبر والانتظار على هذا الوضع رغم رفضي له وتمردي عليه وثورتي الداخلية بين الحين والآخر ، وانتقادي المكبوت لوالدي لإنجاب هذا العدد الضخم من الأولاد، وفجرت طاقتي هذه في الاستذكار حتى أبدو مميزا بشيء أمام زملائي وجيراني وسعيي الدئوب نحو تحقيق أمنيتي بأن أكون رجل مهم يشار له بالبنان، وكانت قد ظهرت على علامات النبوغ في لعب كرة القدم ، وكثيرا ما نلت التشجيع والتصفيق على إحراز هدف أو قيادة هجمة أو مراوغة لاعب خصم ، وأتذكر جيدا حينما طلب مني مدرس التربية الرياضية أن أستعد جيدا لأن مدرب النادي الأهلي ذو الشعبية الجارفة سيزور المدرسة خصيصا لمشاهدتي بعد أن سمع عني ، فلم يغمض لي جفن ، وداعبتني الأوهام بأني سأصبح لاعب مشهور وأتخلص من الفقر الذي يحيط بي من كل صوب وحدب وأحقق أمنيتي .
وأمام ناظر المدرسة في يوم رياضي جُمع فيه المدرسين والمشرفين ومدرب النادي العريق قدمت عرضا في فنون التحكم بالكرة نال استحسان الجميع ، وسط تصفيق وتهليل الزملاء ، وفي المباراة التي أقيمت بين المرحلة الابتدائية والإعدادية في نفس المدرسة قدت فريقي الأصغر نحو الفوز والتألق ، وطلب مني مدرب النادي أن أنضم لفريق الأشبال وأعطاني استمارة قيد لأقدمها لوالدي بالموافقة
وما أن رأي والدي هذه الورقة إلا وأخذ يسبني ويشتمني لأنني تجاوزت حدودي ، فمن أين أتي لك بمصاريف الذهاب لهذا النادي والغذاء الصحي لرياضي ،عدت إلي حجرتي وأنا أرغب في إنهاء حياتي لأتخلص من الفقر عدوي الأول الذي حرمني من المال والشهرة ، وعدت إلى الكتب صديقتي المقربة أفترسها وأنهل منها ما أشاء بالمجان .
لا جديد في هذه المرحلة سوي أنني كنت الأول على الجمهورية في اختبار المرحلة الابتدائية ، وتم وضع صورتي في أحد الصحف ، كما تم تسليمي مبلغ مالي لم أعده أو حتى أعرف قيمته لأنه ذهب مباشرة إلى مصروف البيت .
استمرت الأيام ثقيلة بطيئة متشابهة ، من معاناة إلى أخري ، ومن حرمان إلى أخر ، ولا جديد سوي تفوقي في المرحلة الإعدادية ، وحصولي على جائزة مالية كبيرة ، وصورة في الصحف مع المحافظ ، صممت بعد أخذ الجائزة أن أشتري بجزء منها ملابس جديدة ، وليذهب الباقي إلى مصروف البيت .
فوجئت في المرحلة الثانوية بعالم أخر لم أكن أعرفه من قبل أو أسمع عنه أنه عالم منفتح لم أعتاد عليه ، فصور الفتيات مع الزملاء ، وتدخين السجائر ، والمغامرات الجنسية والصور العارية التي لم أكن أشاهدها حتى في الأحلام فضلا عن الثراء الذي يتمتع به البعض ، "عالم غير منضبط " هكذا كنت أردد بيني وبين نفسي .
وعدت مرة أخري للعلب الكرة في المدرسة والاستذكار، وتفوقت على الجميع ، وكم كنت أتمني أن تكون لي علاقة مع فتاة من أي نوع ، لكن ذلك سيتطلب مال وأنا لا أملك حتى القليل منه ، وكنت أطرد هذه الفكرة من رأسي على الفور، وأعود إلى كتبي فهي غير مكلفة ولا أملُ أو تمل مني ، ولا صديق وفي غيرها يتحملني ..
تخرجت من الثانوية العامة متفوقا ، ولم تكتمل فرحتي حينما أخبرني والدي أنه حان الوقت لأعمل بالشهادة وأساعد أخوتي ، وأعتمد على نفسي ، وعبثا حاولت أقناعه بأنني من المتفوقين وسأحصل على منحة ومكافأة تعينني على أكمال دراستي دون إرهاقه ماديا لكنه رفض بشدة وقال لديك أخوات بنات أوشكن على الزواج ويجب أن تقف بجانبي ، وتوسط خالي في الموضوع وكان تاجر قماش ميسور الحال لديه زوجة حنونة وابنه وحيدة ، وتعهد بعد مناقشات ومداولات ومشادة أن يتحمل كافة مصاريفي الجامعية .
التحقت بكلية الهندسة وكم كنت سعيدا بأن حلمي أوشك على الاقتراب ، ووجدت الجامعة العملية قد تحولت إلى كرنفال في عروض أزياء وتباري بين الزميلات في إظهار مفاتنهن ، ومنافسة شرسة بين الزملاء في إظهار الثراء والحسب والنسب والجاه والسلطان ، وشعرت بالغربة .. ولم أحاول البحث عن صديق أو رفيق لأنني كما قال الفنان عادل إمام " وضعي مختلف " ، وكنت أضحك على نفسي ساخرا .
مضت السنوات بطيئة ما أراه اليوم أشاهده غدا وما مارسته أمس أواظب عليه اليوم ، لكنني كنت حريصا أن أكون أول دفعتي لأحصل على المنحة التي كانت تعينني على بخل والدي علىً
وخجلي من سؤال خالي الذي يبدو أنه تناسي وعده وتعهده بالتكفل بمصاريفي .. وأذكر أنني عانيت الكثير في هذه المرحلة ، فلم أكن أمتلك سوي قميصين في الصيف وجاكت وبلوفر في الشتاء وكنت أمشي مسافات طويلة لأصل إلى الجامعة لتوفير أجرة المواصلات أو أتودد لمعيد أو دكتور لأحصل على الكتب مجانا ، وكنت ضيفا دائما على مكتبة الكلية لاستعارة الكتب والمراجع التي لا أستطيع شرائها ، ولأراجع دروسي لأن منزلنا لم يعد يصلح للمذاكرة بعدما تزوجت شقيقاتي وأنجبن الأولاد الذين حولوا المنزل إلى دار حضانة .
وأذكر أن والدي قد مال على ذات يوم بعدما رآني في هدام جديد استطعت أن أدبره من توفير صعب من المكافأة وطلب مبلغا من المال لأن راتبه قد انتهي وهو بحاجة لسلفه - على حد تعبيره – من تلك المكافأة التي أحصل عليها من الجامعة ولا تكفيني ، وقال : أعتبرها ثمن الأكل الذي تأكله في البيت وكم كانت تلك الكلمات قاسية جارحه لي ...! وأعطيته العشرة جنيهات التي كانت بحوزتي وكنت في أمس الحاجة إليها لشراء كتاب وتكملة بقية الشهر ، وترددت كثير في الذهاب إلى بيت خالي لأحصل منه على عشرة جنيهات أخري ، لكن لا مفر ، وجدته غير موجود لكنني شعرت بترحاب كبير من زوجة خالي وأبنتها "تحية" التي بدت عليها علامات الجمال والأنوثة الطاغية ، لكنه جمال يلوثه كثرة المساحيق والتبرج الزائد الذي لا يعجبني ، ولأنني كنت مشغولا بالجامعة لم أكن أنظر للفتيات أو الزميلات ، لأن صداقتهن مكلفة من جانب كما لن تجلب لي سوي الإحراج وربما المصائب والمصاعب التي لست في حاجة إليها ، المهم طالت جلستي في منزل خالي وأنا بحاجة للاستذكار والمال في نفس الوقت .
ووجدت حرجا كبيرا من طلب هذه السفلة من زوجة خالي التي كنت أعتبرها أمي الثانية ، نظرا لعطفها على وكلماتها الرقيقة وهي تتحدث عني ، لكن أمام الحاجة طلبت منها المبلغ وبعيني قطرات من الدموع ، احتضنتني وهي تقول أنا أمك التي ربيتك فكيف تخجل من أمك ؟ المال مال خالك ... وقالت وهي تودعني : تبقي تبجي عندنا يوم الجمعة لتناول طعام الغذاء أسبوعيا ، ودست المال في جيبي .
وأخرجت المال قبل وصولي لمنزلنا فوجدته مبلغ خمسين جنية أكبر مبلغ لمسته يداي ، وشعرت أن الدنيا ابتسمت لي ، مال يكفيني ثلاثة أشهر وزيادة ، وغداء في بيت خالي ومبلغ أضافي من زوجة خالي كل أسبوع وأخر ... وأخفيت المال عن أعين كل من في المنزل حيث اعتاد والدي أن يفتش في ملابسي ليري وفرة من مال ليأخذها بدعوي السفلة التي لا ترد، لكنني كنت حريصا فلم أكن أترك إلا جنيهين والباقي أضعه أسفل فرش الحذاء ، وكنت أدعي دائما أنني أخاف أن أصرف قرش واحد حتى على الضروريات لأن المكافأة لا تكفي شراء الكتب .
وفي السنة النهائية ، وأثناء تواجدي في المكتبة إذا بصوت عذب رقيق يقول : هل أنت مصطفي أول الدفعة ؟ قلت نعم دون أن أنظر إليها ، وحينما التفت وجدت ملاك في صورة إنسان ، وجه أبيض به حمرة وعينان تميلان نحو لون البحر وملامح طفلة جميلة وشعر يميل إلى الاصفرار ونظارة طبية تزيد الوجه جمالا ودلالا ، ولأول مره أتطلع إلى وجه فتاة أو أشاهد فتاه بهذا الجمال والبراءة ، وقلت في نفسي إذا كانت هذه فتاة فكيف سيكون حور العين ؟ ولا أعرف أن كانت أشجان - هذا كان اسمها كما قالت لي - قد سمعتني وأنا أقول تبارك الخلاق فيما خلق ، أم أخذت تضحك من فرط ذهولي من جمالها ، لا .. لابد وأنها قد سمعتني ..
طلبت بأدب أن أشرح لها أحد المعادلات الصعبة والتي لم تفهمها في المحاضرة وقد فعلت .
توطدت علاقتي بأشجان سواء في منامي أو في الجامعة ، ولأول مرة في حياتي أري الحسد من الزملاء لصداقتي بها ، بالرغم من عدم امتلاكي أي شيء أحسد عليه .
تخرجت من الجامعة وعينت معيدا في الكلية ، وشعرت بأن حلمي القديم بأنني سأكون شخصا غنيا ومهما قد أقترب أكثر ، ولكنني لم أتخيل أن المتاعب والمصائب ستهجم علي وتجسم فوق صدري بهذه السرعة وعلى حين غرة ، أولها رسوب أشجان في امتحانات السنة النهائية ، ثم حضور زوجة خالي إلى منزلنا والحديث عن تقدم عريس جاهز لابنتها والتلميح برغبتها في أن أقترن بها وسط موافقة أمي وشقيقاتي لأننا أهل ، وأخيرا فرض والدي مبلغ مالي كإتاوة علي من مرتبي لأساعده على المعيشة يفوق نصفه ، وقال : عليك تسديد الدين ، كنا نحرم أنفسنا لنصرف على الباشمهندس وقد تخرجت ، وكثيرا ما كان يسمعني كلامه الجارح حينما يراني قد اشتريت قميص أو بدله جديدة لزوم الوجاهة والمنصب .
ولأن الحزن والقهر والضيق والألم كانوا من أصدقائي المقربين الذين يمكثون معي طوال الوقت ويسكنون بداخلي ، فلم أعير تلك المشكلات أهمية كبيرة اللهم حزني على زعل زوجة خالي بعدما كانت لي الملجأ وقت الضيق ، وعبثا حاولت إرضائها... بأن الطريق تارة أمامي طويل .. وأنا لا أمتلك مال وأخري أنني سأعذب ابنتكم معي وثالثة أنا لا أستطيع أن أوفر الحياة الكريمة التي اعتادت أن تعيشها ، لكنها قالت بحزن ، ربنا يوفقك ..
أُعفيت من تأدية الخدمة العسكرية وانتظمت في الكلية ، وتحولت أشجان من زميلة إلى طالبة لكن قلبي ينبض بحبها في سرية تامة، ولم أضيع وقتي كعادتي وبدأت على الفور في التحضير والتجهيز للماجستير ، وفوجئ أساتذتي بأن موضوع الرسالة التي اخترتها جديد وشيق ولم يتم التطرق إليه من قبل ، فتم قبول الرسالة والإشراف عليها ، وبدأت في ذلك بجهد وجد ، وفوجئت بأشجان تعاتبني على إهمالي لها ، وتدعونني إلى زيارة منزلهم في حي مصر الجديدة الراقي ، وبعد إلحاح وافقت ، ويعلم الله مدي ما عانيته من تحمل شراء هديه كانت عبارة عن تورته من محل فخم ، فوجئت بأن أسعار الحلويات قد ارتفع ثمنها ثم ضحكت كثيرا حينما تذكرت أن هذه هي المرة الأولي في حياتي التي أشتري فيها تورته التي لم أتذوقها إلا في الأفراح وغابت نهائيا عن منزلنا .
جلست في منزل أشجان الفخم والذي يحاكي المنازل التي رأيتها ذات مرة في أحد الأفلام العربية القليلة التي شهدتها حيث لم يسبق لي دخول منازل فخمة من قبل ، جاء والدها في ملابس أنيقة عكست هيبة الرجل وأناقته ، وقال : عمر شوكت سفير سابق .. تحدث معي في موضوعات شتي وأستمع إلى أرائي في موضوعات متعددة ، تحدثت فيها بلهجة الإنسان المعتدل المتفاءل رغم ما يكنه قلبي من ألم ونكد وقهر ، وأخبرني بأنه لف العالم بحكم منصبه الدبلوماسي وأن والده هو الوزير شوكت ، وجده هو اللواء صدقي ، وبعد ذلك أثرت أن أتحول إلى مستمع جيد دون المشاركة أو التباري في الألقاب التي لا أملك منها شيئا سوي تفوقي في جميع مراحل تعليمي فقط .
وكان اللقاء الأول لي مع أشجان بعد ذلك في مكتبي المتواضع بالكلية وفوجئت بها تبيح بحبها لي ، ولم أرد أو أذق طعم النوم في منزلنا المتواضع يومها ، وقررت بعد تفكير طويل أن أعتذر عن هذا الحب الغير متكافئ ، فكيف يتزوج الفقير ابن الفقير من ابنة السفير ، وكيف سيصرف عليها ووالده يقتطع منه نصف الراتب ، وحينما أعطاه أقل هدده بالطرد وقال : ده مش لوكاندة تنام وتأكل فيها بالمجان ياروح أمك ... ، لم أتحمل دموع أشجان حينما اعتذرت لها عن حبي أو مقدرتي على الزواج منها ، وفوجئت بها تقول لقد تعمدت الرسوب في الجامعة لأمهلك عام تكون قد وقفت فيه على أرض صلبة لتطلبني من والدي وهو موافق رغم الفارق الاجتماعي بيننا ، واندارت وهي تخفي دموعها ، وبكيت هذا اليوم كثيرا ، لكنها الحياة القاسية التي لن تعطي كل ما نريد ، والهم والحاجة والنكد الذي يلاحقني أينما ذهبت .
مضي عامان والأمور على ما هي عليه وتم مناقشة الماجستير ، ونجحت ، ورأيت أشجان ضمن الحضور لكنها اختفت قبل أن أنهي المناقشة .. ، لازلت في هذا البيت المتواضع أدفع وزاد الدفع لمرض والدتي ، لكن الأمل لازال يضغط علي ، وفوجئت ذات يوما باستدعائي لمكتب عميد الكلية وإخباري بأن هناك منحة دراسية للدكتوراه باسمي للولايات المتحدة وعلى وجه السرعة وأنه يتوقع لي مستقبل باهر ، وطلب مني العودة سريعا للتدريس في الجامعة بعد الشهادة ، وعدم النظر إلى الإغراءات التي ستقدم لي وأن مستقبلي الحقيقي في وطني .
حزمت حقائبي بل حقيبتي الوحيدة وانطلقت إلى المطار وسط دعاء أمي المريضة وإلحاح والدي بإرسال مصاريف للمنزل ... ، وفي الطائرة تذكرت أشجان ... ، وتمنيت أن أتصل بها لأخبرها بسفري وندمي على عدم الارتباط بها ولكني طردت الفكرة والأمنية سريعا من رأسي بدعوي أنني ذاهب إلي المجهول ولم يتحقق حلمي بعد .
أرسلت الجامعة الأمريكية من يستقبلني في المطار وسكنت بجوارها ، واجتهدت كثيرا للحصول على الدكتوارة الشهادة العلمية التي كنت أحلم بها ، ورفضت أن أقيم أي علاقة مع الأجنبيات تحت أي مسمي بالرغم من سهولة ذلك والدعوة إليه من البعض وانغماس زملائي فيه ، أو الزواج للحصول على حق الإقامة الدائمة في أمريكا ، وحصلت على الشهادة بتفوق وعرضت على الجنسية الأمريكية بشرط العمل كأستاذ في الجامعة التي تخرجت منها ورفضت في البداية ، وأمام المبلغ الخيالي الذي عرض وافقت ، وأرسلت لعميد الكلية أطلب منه أن يمد لي الأجازة من الجامعة لمدة عامين لأستفيد من الخبرات الأمريكية ووافق ، وبعد خمس سنوات عدت إلى مصر ومعي بضعة ملايين من الدولارات ، وعلمت أن أمي قد ماتت بعد رحيلي من مصر بسبعة أشهر وأن والدي قد داري عني خبر الوفاة ظنا منه بأنني سأتوقف عن إرسال المال الشهري .
مرت شهور وأعوام وبلغت الأربعين من العمر وبدأ الشعر الأبيض يدب في رأسي لكنني أقنعت نفسي بأنه وقار ولزوم العمل كأستاذ في الجامعة المصرية لمدة عام هكذا اشترطوا علي في الجامعة الأمريكية ، ذاع صيتي في الجامعة وتم استضافتي في العديد من البرامج التليفزيونية واشتريت شقة فاخرة في حي مصر الجديدة ذلك الحي الذي كانت تسكن فيه أشجان ، كما امتلكت سيارة أحدث موديل ، ولا أخفي حينما أقول بأنني كنت أبحث عن أشجان في شوارع مصر الجديدة أو بين أروقة المدرجات أو بين طلبة الدراسات العليا لكنني لم أرها .
وبدأت فكرة الزواج وتكوين أسرة تلح علي بشدة بالرغم من معارضة أخواتي لهذه الفكرة ربما بدافع الرغبة في ميراثي بعد وفاتي .
لم أعبأ بنظرات بعض تلميذاتي أو زميلاتي ، حيث حددت مواصفات أشجان كأساس لاختيار زوجة المستقبل من حيث الشكل والطباع ، ولا أنكر أنني قد طردت الهم من حياتي أما النكد فلم أستطع حيث فاجأني والدي وشقيقي الأصغر ذات يوما بزيارة لمنزلي ومعهم حقائب والرغبة في الإقامة معي ، وقال شقيقي سعد وقد أخذ الكثير من صفات والدنا : أنه لا يصح أن يكون والد وشقيق أستاذ الجامعة يسكنون في حي شعبي ، لذا قررنا التنازل عن منزلنا لصاحب البيت بمبلغ بسيط والقدوم للسكن معك ، لكنني رفضت بشدة واستأجرت لهم شقة جديدة بعيدة عني وتعهدت بدفع كافة المصاريف وسط نظرات الغضب من والدي ونظرات الاحتقار من سعد ، لكنهما وأشقائي وشقيقاتي كانوا ضيوفا دائمين على في بيتي صباحا ومساءا ، حتى أنهم كانوا يطلبون من الطباخ إعداد قائمة للطعام لليوم التالي وكأنهم أصحاب بيت ، وتحول منزلي إلى مركز ترفيه للعائلة يوميا وسط ضجر الشغالين ، وفي أحد الأيام بينما الضحكات تعلو والصراخ يزداد ، وأنا بمكتبي مشتت الذهن وأمامي مشروع هام طردت العائلة من منزلي واتهمتهم بالابتزاز وعدم احترامي ، وقلت في حده سأرسل لكم كل ما تطلبوه ولكن زيارتي بميعاد .
بدأت أبحاثي ومحاضراتي تجد صدي جيد داخل وطني وتخرج منه إلى العديد من الدول سواء العربية أو الأجنبية ، وعرض على التدريس في أحد الجامعات العربية بمبلغ خيالي ووافقت بعد أن ضقت ذراعا من جشع وابتزاز أشقائي وأولادهم لي ، وفي الغربة شعرت بالرغبة في الزواج مرة أخري فلم أعد أطيق العيش بمفردي والمشكلة تكمن في مواصفات العروس ، وبدأت أري فتيات للزواج وأدخل علي مواقع الارتباط لعلي أجد شبيهة لأشجان ، ولم يخرجني من هذا الوضع إلا اتصال تليفوني من سفير دولتنا في البد الذي أعمل فيه وأخبرني بضرورة العودة لمصر لمقابلة شخصية وصفها بالمرموقة والمسئولة دون تحديد اسمها وأعطاني تذاكر الطيران .
وفي المطار داعبتي صورة أشجان ، ورأيتها هذه المرة تضحك وفي كامل زينتها عكس ما كنت أرها من قبل مكتئبة باكية ، وصلت القاهرة ووجدت من ينادي على اسمي ، واصطحبني إلي سيارة فخمة ، وحينما سألته عن وجهتنا قال لي أنه مكلف باصطحابي إلي مجلس الوزراء ففقط دون معرفة أي تفاصيل أخري ، ومن مسئول إلي أخر وصلت أمام السيد رئيس مجلس الوزراء شخصيا الذي رحب بي كثيرا وأثني على مكانتي العلمية وقال لي : نحن بحاجة إلى خدماتك في بلدك وأنك مرشح لتولي منصب وزير ...! أنا وزير ... أنا وزير ، لكني استجمعت شجاعتي وقلت في حزم معالي رئيس مجلس الوزراء أن هذا المنصب لا يلاءم إمكانياتي فأنا رجل علم ولست رجل سياسة ، وإذا كنت تريد الاستفادة مني فأنا على استعداد لخدمة البلد من خلال موقعي في الجامعة ، لكنه أصر وقال أنه تكليف وليس عرض ، ووعدته بالتفكير مجددا ، والرد عليه في غضون 72 ساعة أجازتي من البلد العربي الذي أعمل فيه .
وتصدر خبر استقبال رئيس الوزراء لي عناوين العديد من الصحف مع التكهن بتعيني وزير في الحكومة الجديدة ، واتصل بي العديد من زملائي في الجامعة لتهنئتي وكم كنت أتمني أن أسمع صوت أشجان أو أن أخذ رأيها في هذا المنصب لكنها لم تتصل ، لكنني استجمعت ما تبقي مني من شجاعة واشتريت تورته فخمة بأضعاف المبلغ الذي اشتريت به التورته السابقة دون أن أتحسر على المال الذي أصبحت أمتلكه بكثرة حتى لم أعد أعرف رصيدي منه في البنوك ، وقلت في نفسي "صدق الحلاق ".
سمعت صوت دقات قلبي وأنا أطرق باب أشجان ولم يسعفني تفكيري ماذا سأقول لها ؟ وما هي الأعذار التي يمكن أن تتقبلها بعد السنوات الطويلة ؟ وهل تزوجت ولديها أولاد ؟ وأردت أن أهرب من هذا اللقاء الذي انتظرته طويلا ، وفتحت لي الشغالة
من أنت وماذا تريد ؟
أنا الدكتور... وأريد مقابلة المهندسة أشجان أو سعادة السفير
قالت باستغراب السفير تعيش أنت من أربعة أشهر ، والمدام مهاجرة منذ خمس سنوات ، والبيه شقيق المدام موجود في عمله وببجي الساعة سابعة مساءا .. وأغلقت الباب .
تيقنت أنني لم أري أشجان مرة أخري ، بالرغم من أنها الذكري الوحيدة الجميلة التي تسعدني ، وفي اليوم التالي توجهت لمجلس الوزراء ورفضت المنصب ، وعدت إلى البلد الذي أعمل فيه بعدما تعجب رئيس الوزراء من رفضي للمنصب الذي يتمناه – حسب قوله - أكثر من 70 مليون مصري ، لكن لهجته تغيرت معي حينما قال : لا تجدد تعاقدك مع الجامعة التي تعمل فيها وعد بعد انتهاء عقدك لأننا في حاجة إلى فكرك وجهدك .
وبالفعل عدت بعد انتهاء العقد بالرغم من أن الجامعة عرضت على مبلغ يفوق راتب السيد رئيس مجلس الوزراء بعشرة أضعاف ، وعدت إلى مصر ، وعدت إلى الجامعة وتم تعيني عميدا لكليتي بقرار قيل أنه سيادي متخطيا أقدميه كثيرا من زملائي وحينما رفضت ، قيل لي أن تكليف ، أصبحت زبون دائم في المحطات الفضائية التليفزيونية ، وفتحت مكتبا استشاريا للهندسة ذاع صيته وأسندت إليه العديد من المشاريع العملاقة سواء في الداخل أو الخارج التي درت على مبالغ طائلة .
بدأت أشعر بدوخة تنتابي من آن لآخر ، وعلمت من طبيبي المعالج أنني مصاب بمرض الضغط نتيجة الإرهاق وعامل السن فقد تجاوزت الخامسة والأربعين وطلب مني الزواج والراحة ، وبمراجعة نفسي وجدت أنني أعمل كترس الساعة ، السابعة صباحا في مكتبي بالجامعة ، وحتى الثالثة عصرا بين المحاضرات والإشراف على الدراسات العليا لعلي أجد رسالة تستحق الاهتمام بصاحبها ، وكنت حريصا في الجامعة من خلال منصبي على زيادة المكافآت للطلبة المتميزين ومنحهم الكتب المجانية ، كما فتحت مكتبي على مصراعيه لهذه الفئة حتى لا يتعذبون مثلما تعذبت من قبل ، ثم في الرابعة أتوجه إلي منزلي أو أذهب لأحد المطاعم ، وفي السادسة أذهب لمكتبي للإشراف على المشاريع حتى وقت متأخر من الليل ، كما أصبحت بارا بأسرتي وحددت مبلغا شهريا لجميع أخوتي ووالدي الذي خرج على المعاش ، وأمام إلحاح الطبيب المعالج قررت الذهاب إلى أحد المدن الساحلية للراحة ، وهناك نظرت في المرأة !! وقلت لنفسي
من أنت ؟
هل أنت الدكتور ؟
من الذي فعل بك هذا ؟
أنك كبرت جدا فلم يعد في رأسك شعرة واحدة سوداء ؟
من الذي حولك إلى آله تعمل وتكسب دون التمتع بها ؟ لهثت وراء المال والثروة ، هل تعلم كم بلغ رصيدك منه ؟ هل لكل من وريث ؟ نهلت من العلم الكثير وأصبحت عميدا للكلية التي تخرجت منها ؟ هل نجحت في اختيار زوجة أو تكوين أسرة وهل أشجان أخر نساء الأرض ؟ وحدثت لي إغماءه شديدة ولم أدري ما حدث لي بعدها سوي في المستشفي الاستثماري الفخم الذي نقلوني إليه ، وبعد التحاليل والفحوص أخبرني مدير المستشفي بأنني مصاب بمرض السرطان في بداية مراحله ، ويمكن الشفاء منه ولكن في الخارج .
سافرت لأمريكا وخضعت لفحوصات كثيرة ثم بدأت مراحل العلاج الأولي ، وعلمت من تلقاء نفسي أنه لا شفاء من هذا المرض اللعين ، وبدأت في تذكر مراحل حياتي بداية من حي باب الشعرية الشعبي الذي نشأت فيه حتى وصولي إلى المرتبة العلمية التي بلغتها ومنصب الوزير الذي عرض على ورفضته ، وكم الأموال الضخمة التي اكتسبتها ، ولاحظت أن جميع مراحل حياتي يغلب عليها طابع القتال والجهاد والمثابرة والحرمان ، فلم أكن يوما أنانيا ولم أكن جبانا أو كاذبا كنت صادق مع الناس ومع نفسي ولم أخدع أحدا من قبل ، ولم أجد في حياتي ابتسامات أو أفراح ، فقط أشجان حبي الوحيد الذي لم أنطق به أمام أحد أو حتى أمامها .
قررت العودة إلى مصر والموت فيها ، وتعجبت كثيرا أن المنصب الوزاري قد عرض على مرة أخري ، ورفضته أيضا ، وقررت أن أمارس حياتي الطبيعية دون علاج حتى يأتيني ملك الموت ليرحني من عذاب الدنيا ...
كما قررت أن أداري عن أهلي خبر مرضي لأنني لست في حاجة للشفقة من أحد ، كما أن تواجدهم معي سيقتلني قبل موعدي الذي حدده لي الخالق العظيم ، وأردت أن أوزع عليهم ثروتي قبل مماتي حيث لم أعد في حاجة إليها وأعلنت ذلك لهم ، وحينما حصرت تلك الثروة وأردت تطبيق شرع الله فيها تشاحن الأشقاء فيما بينهم ، كما قامت المعارك بالأحذية بين أزواج شقيقاتي بحجة أنهم في حاجة أكثر من الآخرين ، ووالدي الذي أخبرني ذات يوم بأنه على وشك الموت ردت فيه الصحة والعافية فجأة وأمسك بتمثال من البرونز مهددا للجميع بالقتل لأنه له الحق في الثروة كلها ، وهو صاحب الحق الأوحد في تقرير مصير تلك التركة التي ستوزع على الآخرين ، كان بالفعل مشهد مضحك يعكس الطمع والجشع والرغبة في السطو على أموال الغير دون حتى السؤال عن سر هذا التوزيع ، ولإنهاء هذه المهزلة قررت صرف مبلغ تحت الحساب لكل فرد منه بلغ 50 ألف جنيه ووافقوا ، وجاء عم شامل السفرجي قائلا : هل أنت مريض يادكتور ؟
نعم !
عندي سؤال محرج ؟ هل أنت متأكد أن هؤلاء القوم هم أهلك الحقيقيين ؟
ضحكت كثيرا كثيرا ، من هذا السؤال ، فالرجل لم يراني وقت كنت فقيرا محتاجا ليس معي ثمن تذكرة المواصلات لأعود إلى منزلي ، والمطر يهطل في الشتاء ، ولا أحد يسير في الشارع سوي الكلاب والقطط الضالة وأنا ، ولم يراني حينما كنت أمر على مطعم الكباب ورائحته تمزق بطني شوقا له ولا يوجد معي ثمن قطعة واحدة منه ، لم يراني وأنا أتسول من بيت خالي القليل من المال لأصمد أمام الحاجة ، يراني الآن وأنا بيه أمتلك الملايين ، لذا فهو يتعجب من بيئة أهلي وجشعهم معي .
بدأت أتغيب عن الجامعة والمرض يدمر خلايا جسمي لكنني أواظب على الصلاة والدعاء والقيام من فراشي بين الحين والآخر لأري الشارع والناس من شرفة غرفتي ولم أعد بحاجة لشئ أخر ، راض بقضاء الله ، وكم كنت أتمني وأدعو أن يعجل لي الله بلقائه بعد أن أصبحت الرجل الغني الذي يشار له بالبنان ، ولم أعد الشخص الذي يفيد من حوله لا حول له ولا قوة آلالام تعقبها آلالام، وبينما أسبح لله وجدت أشجان أمامي ، هي جاءت لزيارتي ، عادت إلى الروح وبكيت أمامها وضحكت في نفس الوقت واعتذرت ، وعلمت منها أنها تزوجت وهاجرت مع زوجها ، وكانت تتابع أبحاثي وتراني علي شاشات التليفزيون ، وعلمت من زميل لي أنني مريض فجاءت إلى زيارتي ورحلت بعدما وعدتني مرة أخري بالزيارة .
والآن أنا في انتظار هذه الزيارة " زيارة للحياة " أو زيارة أخري من ملك الموت راضي عن رحلتي التي لم تكتمل ،،،،
مجدي صادق
..
del.icio.us
Digg
Facebook
Google
Myspace
WindowsLive Fav.
YahooMyWeb
أرسل التعليق