بين الرياضة والسياسة .. ملاعب ودماء
"تقوم الألعاب الاولمبية على مبدأ رئيسي هو أنه ليس هناك أي تأثير من قبل السياسة عليها" بتلك الكلمات أدانت اللجنة الأوليمبية الدولية ما أقدم عليه العدائان الأمريكيان تومي سميث وجون كارلوس أثناء مراسم تسلمهما الميداليتين الذهبية والبرونزية في سباق 200 متر عدو بدورة الألعاب الأوليمبية التي اقيمت بالعاصمة المكسيكية مسكيكو سيتي عام 1968.
وقام العداءان ذوي البشرة السوداء بخلع حذائيهما في إشارة إلى الفقر الذي يعاني منه ذوي الأصول الأفريقية في الولايات المتحدة كما قاما برفع قبضتيهما التي كانتا ملتفتين بققازين اسودا اللون في إشارة إلى تأييدهما لحركة القوة السوداء التي كانت تدعم حقوق أصحاب البشرة السوداء وتدعو لوضع نهاية للتفرقة على أساس اللون في الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى رغم من صرامة عبارات الإدانة التي أطلقتها اللجنة الأوليمبية الدولية فإن السياسة كثيرا ما ألقت بظلالها على الألعاب والممارسات الرياضية.
أيلول الأسود
فمثلما تكون السياسة هي الدافع وراء الحروب وما يصاحبها من سفك للدماء في ساحات المعارك فإنها – السياسة – أحيانا تصبغ الملاعب بالعنف والدماء. ولعل ابرز الأمثلة على تلك الآثار السلبية للسياسة على الساحات الرياضية ما شهدته دورة الألعاب الأوليمبية عام 1972 التي أقيمت في مدينة ميونيخ الألمانية. حيث اختطف مسلحون تابعون لحركة أيلول الأسود الفلسطينية مجموعة من الرياضين الإسرائيليين المقيمين في القرية الأوليمبية.
وقد أسفرت العملية عن مقتل اغلب الرياضيين الإسرائيليين وعدد من منفذي العملية. وبينما تبدو عملية ميونيخ واضحة المعالم بحيث صار معروفا عدد الضحايا ومنفذي العملية فإن العنف السياسي في عالم الرياضي ليس دائما على هذه الشاكلة.
فكما تقع في عالم السياسة أحداث عنف تبدو مجهولة المصدر فإن الساحات الرياضية قد عانت أيضا من اعتداءات مجهولة مثل الهجوم الذي تعرض له الفريق السيرلانكي للكريكيت في مدينة لاهور الباكستانية عام 2009.
حيث لقي 8 من رجال الأمن الباكستانيين مصرعهم وأصيب 6 من لاعبي الفريق الباكستاني أثر إطلاق النار على الحافلة التي كانت تقل الفريق في طريقه لأداء مباراة ودية مع نظيره الباكستاني.
هذا ولم تعلن أي جماعة مسئوليتها عن الحادث مما أثار التكهنات حول هوية منفذيه فالبعض حمل الجماعات الإسلامية المتطرفة المسئولية عن الهجوم بينما أشار آخرون بإصبع الاتهام إلى الهند الجارة اللدود لباكستان.
وتجدر الإشارة إلى ان مدينة لاهور تقع في منطقة البنجاب الباكستانية وهي نفسها المنطقة التي تضم مدينة روالابندي التي شهدت في عام 2007 اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بناظير بوتو أثر هجوم لم يُعرف حتى الأن على وجه اليقين الجهة التي وقفت خلفه.
حرب كرة القدم
لكن الرياضة ليست دائما الطرف البرئ فيما يتعلق باحداث العنف. حيث قد يؤدي التشاحن والمنافسة الرياضية إلى إذكاء التوترات السياسية الأمر الذي يسفر في النهاية عن سقوط العديد من الضحايا مثلما حدث في الحرب التي نشبت بين هندوراس والسلفادور عام 1969 والتي عرفت فيما بعد بحرب كرة القدم. فالعلاقة بين البلدين كانت متوترة على خلفية القوانين التي أقرتها الحكومة الهندوراسية والتي بمقتضاها منحت العديد من السكان الكثير من الأراضي التي يملكها المهاجرون ذوي الأصول السلفادورية.
وقد جاءت المواجهة الكروية التي جمعت بين منتخبا البلدين في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم لتزيد التوتر بين الجارتين. فعقب لقاء العودة الذي أقيم في العاصمة السلفادورية بدا الأمر كما لو جنون كرة القدم قد أصاب مسئولي البلدين بصورة حرفية، حيث تبادلت كلا من الدولتين اتهام الأخرى بالتعرض لمواطنيها وقتلهم ، الأمر الذي كان بمثابة الشرارة التي أشعلت حربا دامت أربعة أيام وراح ضحيتها ما يقرب من 3 ألاف شخص.
هذا وعلى الرغم من أن الحرب لم تسفر عن تحقيق أي طرف لنصر ساحق فإن المواجهة الكروية أسفرت عن تأهل السلفادور لكأس العالم بعد أن فازت على الهندوارس في اللقاء الفاصل الذي أقيم في المكسيك بعد ما يقرب من أسبوع على وقف إطلاق النار.
"معجزة على الجليد"
ومثلما يرى العديد من السياسيين أن الانتصارات السياسية يمكن أن تتحقق في بعض الأحيان بعيدا عن ساحات الحروب عبر الطرق الدبلوماسية على سبيل المثال فإن الساحات الرياضية كانت في بعض الأحيان بمثابة أرضا للنزاع السياسي بين الدول. فالحرب الباردة، التي شهدت المواجهة بين الولايات المتحدة ممثلة للنظام الرأسمالي الليبرالي والاتحاد السوفيتي الذي كان يمثل تجسيدا للمبادئ الاشتراكية، قد ألقت بظلها على عالم الرياضة.
فقد كان كل من البلدين يرى في المنافسات الرياضية وسيلة لإثبات تفوقه على البلد الأخر.ولعل اكثر تلك المواجهات الرياضية التي جمعت بين المعسكرين الغربي والشرقي إثارة هي المباراة النهائية في لعبة كرة السلة ضمن فعاليات دورة الألعاب الأوليمبية بميونخ عام 1972.
فالفريق الأمريكي لم يسبق له قبل هذه المباراة أن لقي أي هزيمة منذ أن أدرجت لعبة كرة السلة ضمن الألعاب الأوليمبية عام 1936. وبالفعل ظل الفريق الأمريكي متقدما بفارق نقطة حتى انطلقت صفارة نهاية اللقاء وسط احتفالات الأمريكيين. لكن الفريق السوفيتي طلب إعادة الثواني الثلاث الأخيرة على خلفية أن المدرب طلب وقتا مستقطعا وبالفعل امتثل حكم اللقاء وأعاد الثواني الأخيرة التي تمكن خلالها السوفييت من تسجيل رمية ثنائية انتزعوا بها الميدالية الذهبية وسط اعتراضات أمريكية وصلت إلى وصم الفوز السوفيتي بغير الشريف.
لكن الرد الأمريكي لن يكون في ميونخ ولا في لعبة كرة السلة بل في مواجهة حماسية أخرى في لعبة هوكي الجليد على هامش دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في نيويورك عام 1980. حيث تمكن فريق أمريكي من الهواة وطلاب الجامعات من انتزاع الميدالية الذهبية بعد أن ألحق الهزيمة بالفريق السوفيتي الذي كان المرشح الأول للفوز باللقب وهو الحدث الذي سيخلد بعد ذلك في التاريخ الأمريكي تحت اسم " معجزة على الجليد."
" الشيطان الأكبر"
وبعيدا عن الحرب الباردة وكرة السلة وهوكي الجليد فإن ملاعب الكرة كانت هي الأخرى بمثابة ساحات لمواجهات ذات أبعاد سياسية مثل مباراة كرة القدم التي جمعت انجلترا والأرجنتين في كأس العالم 1986 بالمكسيك. فحرب الفوكلاند التي نشبت بين البلدين عام 1982 كانت قد خلفت الكثير من الجروح في البلدين خاصة في الأرجنتين التي لاقت هزيمة عسكرية.
لكن ما عجز جنرالات الأرجنتين عن فعله في جزر الفوكلاند سيقوم به فتى أرجنتيني بعد أربعة أعوام في ملعب الأزتيك بالعاصمة المكسيكية. حيث سيقود الأسطورة الكروية مارادونا رفاقه إلى هزيمة المنتخب الإنجليزي في مباراة لن ينساها الكثير من عشاق كرة القدم بسبب الهدفين الذي أحرزهم مارادونا.
حيث سجل الدولي الأرجنتيني الهدف الأول بيده ثم ألحقه بالهدف الثاني الذي يعد واحد من أجمل الأهداف في تاريخ كرة القدم، حيث راوغ مارادونا نصف لاعبي الفريق الإنجليزي قبل ان يراوغ الحارس المخضرم شيلتون ويضمن تأهل بلاده إلى دور الثمانية في البطولة التي شهدت تتويج الأرجنتين باللقب العالمي.
كذلك فإن كأس العالم في فرنسا عام 1998 شهد مواجهة سياسية من العيار الثقيل. حيث وضعت القرعة كلا من الولايات المتحدة وإيران في مجموعة واحدة.
وهكذا التقى الفريقان في مباراة أثارت الذكريات الأليمة للعلاقة بين البلدين التي تدهورت بشدة عقب الثورة الإسلامية عام 1979 واحتجاز الرهائن الأمريكيين. وانتهى اللقاء بفوز ممثل الجمهورية الإسلامية على منتخب " الشيطان الأكبر" أو الولايات المتحدة كما كان يطلق عليها من قبل أركان النظام الإيراني.
محمد عبد الرؤوف إذاعة هولندا العالمية ..
del.icio.us
Digg
Facebook
Google
Myspace
WindowsLive Fav.
YahooMyWeb
أرسل التعليق