الرئيسية | كتاب ساخر | تنميتنا.. إلى أين ؟!

تنميتنا.. إلى أين ؟!

تنميتنا.. إلى أين ؟!

ترتسم في مخيلتي علامات تعجب كبيرة عند قراءتي عن مشروع تنموي، أو مشاهدتي لعرض توثيقي عن منجز حكومي، فأول ما تقع عيناي عليه هو شهادة الأفضلية، والتي تذكرني بشعار ألعاب القوى (الأسرع .. الأقوى .. الأعلى) مع ملاحظة أن الأخيرة لا مجال فيها للتضليل أو المحاباة حيث تسود لغة الأرقام فقط !

 

ولا أعلم من الذي أسس لثقافة الأفضلية في بلادنا.. ولا أعلم أيضاً من هم سماسرة الترتيب عند التطرق إلى جانب تنموي أو حتى أداء معنوي لا يمكن بأي حال قياس مدى كفاءته أو نجاحه.

 

ومن العبث هنا أن يتم إيراد أمثلة، حيث تجاوز فكر محترفي التفضيل كل المعاني، فظهرت لنا صفات لا مجال فيها للقياس أو حتى المناقشة مثل (أفخم ..) و (أجمل ..) .. و أخيراً (أضخم) حيث لا مجال أبداً – ولو تمت الاستعانة بأدق أجهزة القياس في العالم - للوقوف على أي حقيقة ثابتة.

 

اعتقدت لسنوات أن لدينا أفخم مطار، وأضخم إستاد، وأطول طريق، وأعلى برج.. حتى بدأت الأعين ترى ما كان مبتدعو أفعال التفضيل يخفونه تحت قبة بيع الكلام، ومن يعود إلى وسائل الإعلام المختلفة يشاهد ويقرأ ويسمع العجب العجاب من هذه الصفات.

 

ولم تتوقف حمى الصفات و ألقاب العظمة على مجال واحد، فمن مسابقة رياضية إلى حقل التعليم العالي مروراً بعملية جراحية أو منشأة صحية ومشروع زراعي أو اقتصادي.. وكأننا نتحدى قوانين العقل، ونسير برضانا إلى قائمة المنجزات الورقية.. ولعل من قرأ عن ضخامة عقود البلديات والصرف الصحي خلال السنوات الثلاثين الماضية يصاب بالحيرة عندما تقع عينه على صورة ترسم معاناة مدننا مع هطول أمطار لا تزيد قطراتها في الغالب عن عدد الأصفار في ميزانيات المشاريع المعتمدة لمعالجتها!

 

ومع بزوغ شمس العولمة تطور مفهوم الأفضلية، وأصبحت القضية قوائم وتصنيفات منها ما هو إقليمي، وآخر قاري، وأعظم من ذلك العالمي.. ففي كل صباح تقريباً نطالع على صفحات الصحف مركز كذا يحصد المركز الخامس على مستوى القارة الآسيوية في بيئة العمل، وجامعة كذا الأولى عربياً في مجال أرشفة ملفات الطلاب غير المقبولين..

 

وهكذا حتى وصلنا إلى مرحلة التنافس الأعمى على كسب الدروع والجوائز من جهات لا يمكن وصفها إلا بدكاكين بيع المراتب والمعايير، بدلاً من العمل على تحسين الأداء والوصول إلى أداء مثالي قبل تحسين صورتنا في الداخل قبل الخارج.

 

لا ألوم من يصف، ولكن يد اللوم هنا تُربت على كتف كل من يجعل مجرد حروف متشابكة بوابته للدخول في عالم الإنجاز والعمل.. فالكلمات وإن كانت مُبهجة إلا أنها تتلاشى أمام رياح العمل الحقيقي..



 

 

 

عادل الحميدان - جريدة الرياض

 

 

 

..

جميع الردود والمشاركات تعكس وجهة نظر صاحبها و لا تمثل رأي صحيفة ساخر الإلكترونية ، ولا تنسى بأن تعامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك، فإذا كنت لا ترتضي أن يمس أحد دينك أو دولتك أو مجتمعك، فالآخرون لا يرضون منك ذلك أيضاً.

نرجوا الإبلاغ عن أي تعليق مخالف من خلال الضغط على الإيقونة المخصصة لذلك

Subscribe to comments feed التعليقات (0 أرسل):

total: | عرض:

أرسل التعليق comment

  • email أرسل لبريد صديق
  • print نسخة الطباعة
  • Plain text النص العادي
قيم هذا الموضوع
0